السيد محمد باقر الصدر
175
المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )
الفرق بين المثل الأعلى والمثل الفرعوني وهذه العلاقة ليست ذات محتوى غيبي فقط ، نعم نحن نؤمن أيضاً بمحتواها الغيبي ، ولكن إضافة إلى محتواها الغيبي الرباني هي تشكل سنّة من سنن التاريخ بحسب مفهوم القرآن الكريم ؛ وذلك لأنّ مجتمع الظلم ، لأنّ مجتمع الفراعنة على مرّ التاريخ ، مجتمع ممزّق مشتّت الفرعونية على مرّ التاريخ ، حينما تتحكم في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان تستهدف تمزيق طاقات المجتمع ، تشتيت فئاته ، بعثرة إمكانياته ، ومن الواضح أنّه في تشتيتٍ وبعثرةٍ وتفتيتٍ وتجزئةٍ من هذا القبيل لا يمكن لأفراد المجتمع أن يحشّدوا قواهم الحقيقية ، وأن يجنّدوا كل بذور إبداعهم لكي تنمو نمواً طبيعياً في مجال التفاعل مع الطبيعة والسيطرة على الطبيعة . وهذا هو الفرق بين المثل العليا المنخفضة الفرعونية وبين المثل الأعلى الحق ، مثل التوحيد [ للَّه ] سبحانه وتعالى ، فإنّ المثل الأعلى يوحّد الجامعة البشرية ويلغي كل الفوارق والحدود باعتبار شمولية هذا المثل الأعلى ، باعتبار شموليته فهو يستوعب كل الحدود وكل الفوارق ، يهضم كل الاختلافات ، يصهر البشرية كلها في وحدة متكافئة ، لا يوجد ما يميز بعضها عن بعض ، لا من دم ولا من جنس ولا من قومية ولا من حدود جغرافية أو طبقية . المثل الأعلى بشموليته يوحّد البشرية ، ولكن المُثُل العليا المنخفضة تجزّئ البشرية وتشتّت البشرية . انظروا إلى المثل الأعلى كيف يقول : « إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ » « 1 » .
--> ( 1 ) الأنبياء : 92